في ترجمة الآداب


 images

في معرض مناقشات حضرتها حول ترجمة الآداب، ظهرت 3 أمور يتغاضى عنها كثير من المترجمين عندما يترجمون من الإنجليزية إلى العربية (وهما اللغتان اللتان دارت حولهما ورشة العمل). الأسس الثلاثة هي: الرتم، وزمن الفعل، وروح النص. وكانت الكاتبة البريطانية من أصل صومالي نضيفة محمد، كاتبة النصوص التي اشتغلنا عليها، حاضرة معنا خلال الورشة، وتناقشنا معها في أسلوبها ورسالتها التي ضمنتها في النص. ناقشنا نصين للكاتبة، أحدهما مأخوذ من روايتها الأخيرة التي تدور أحداثها قبل الحرب الأهلية الصومالية، وهي إحدى الروايات المصنفة من أفضل روايات الشباب في بريطانيا. ترجمنا عنوانها: بستان النفوس الضائعة. أما النص الثاني لنفس الكاتبة فهي قصة قصيرة عن طفولتها في لندن بعنوان: الصيف في المدينة. بكل محبة، كانت معنا المترجمة زينب مبارك ذات الباع الطويل في ترجمة الأغاني والأفلام والكتب.

الرتم هو حركة النص، أو نبض النص. هناك نصوص سريعة الإيقاع جملها قصيرة ومتلاحقة تقف فيها الأفكار باستقلالية عما قبلها وبعدها وقد تكون الجمل في مثل هذه النصوص صور وصفية. وهناك نصوص بطيئة الإيقاع يغلب في جملها التكامل بنفس طويل تنظمها الفواصل. وهناك نصوص تجمع بين الشكلين. إن حالة الجملة غالبا ماتعبر عن حالة النص النفسية، لذلك على المترجم أن يحافط على نمط ونبض تواتر الجمل.

المثال الأول من الرواية، ونلاحظ وجود التوتر في النص:

Five a.m. Too early to eat. There is hardly any light, perhaps just enough to distinguish a dark thread from white

ترجمناها على النحو التالي:

“الخامسة صباحا. الوقت ما زال مبكرا لتناول الفطور. وبالكاد ثمة ضوء، ربما يكفي للتمييز بين الخيط الأسود والخيط الأبيض…”

هناك نفس ينظم الجمل.

المثال الثاني من القصة القصيرة، نلاحظ كسل الصيف يغمر النص:

Summer in the estates really be hearts, all cut grass, bird song and adolescent light. My home is the only quiet place around

يلاحظ في الجملة الأولى الإقتصاد في إيراد الأفعال، قمنا بترجمتها على النحو التالي:

“الصيف في الأحياء الشعبية محبب جدا بعشبه المشذّب وطيوره الصادحة و أضوائه الفتية. بيتي هو المكان الوحيد الهادئ في الجوار…”

فيما يتعلق بزمن الفعل، فقد يجنح المترجم لإستخدام الفعل الماضي عند النقل إلى العربية حتى لو كان الفعل في اللغة الأصلية مضارعا. وعلى الرغم من إختلاف الأفعال بين اللغتين العربية والإنجليزية، إلا أن المحافظة على زمن الحدث يخدم غرضا أراده كاتب النص، ويجب على المترجم صون الرسالة التي يريد الكاتب إيصالها في الشكل والمضمون. عادة ما نستخدم الفعل الماضي في اللغة العربية عند قيامنا بالسرد، لكن الفعل الحاضر يخدم استمرارية الذاكرة واستحضار الصور لتمثل أمام القارئ فور قرائتها. فالحدث دائم ومستمر. وعندماسألنا الكاتبة عن الزمن الحاضر التي تكتب به، أجابت بأنها تكتب من خلال الصور التي تستحضرها خلال كتابتها. لذلك ارتأت مجموعة الترجمة المحافظة على زمن الفعل المضارع للنص التالي من الرواية:

She feels her way into her underskirt and red shift dress, squeezes thick amber bangles over each elbow and smoothes a heavy silver necklace over her sagging chest, then arranges the sheets neatly over her single bed.

الترجمة باستخدام الفعل المضارع جاءت على النحو التالي:

“تتحسس كوثر سبيلها إلى تنورتها الداخلية ثم تضع عليها ثوبا أحمرا وترص أساورها الكهرمانية السميكة فوق مرفقيها ومن ثم تسوي قلادة فضية ثقيلة على صدرها المتهدل.”

لكل نص روحه المستمدة من روح وتكوين الكاتب/ة، فهي التي تميزه عن غيره، وعلى الرغم من أن ماناقشناه سابقا يمثل جزءا من روح النص، الا أن هناك عامل يكون الغالب على بقية العوامل في النص. ضمن نصوص الكاتبة نضيفة محمد، يظهر جليا غلبة الثقافة والتراث الصوماليين في روايتها: بستان النفوس الضائعة. وحتى في قصتها القصيرة: صيف المدينة، والتي دارت أحداثها في مدينة لندن إلا أن ذاكرة الطفلة الصومالية تحضر بقوة. في نص الرواية، استخدمت الكاتبة الكثير من الكلمات الصومالية لدلالات ثقافية معينه. على سبيل المثال الجملة التالية:

[..But Kawsar washes her face in the basin inside her bathroom, runs a caday over her teeth…]

ترجمناها على الشكل التالي:

“لكن كوثر تغسل وجهها في مغسلة حمامها، وتمرر سواكا على أسنانها…”

كلمة caday هنا جاءت تماما بمعنى سواك، فاستخدمنا الكلمة العربية. لكن الجملة التالية احتوت على كلمة ذات خصوصية ثقافية محددة:

“What took you so long, saamaleyl?”

كلمة saamaleyl هنا تأتي بمعنى لقب دلع للمرأة ويعني المصابة بالأرق. آثرت مجموعة الترجة على الإبقاء على الكلمة كما هي بتصرف بسيط:

«”ما الذي أخرك كل هذا يا سما الليل؟”

هناك بعض الكلمات التي أرادت الكاتبة من القارئ/ة البحث عنها إن أراد، فهذه الكلمات موجودة في رواية كتبت باللغة الإنجليزية، وتباحثت مجموعة الترجمة في شرحها خلال الترجمة أو تفسيرها في ذيل الصفحة. فكرتي كانت التالية: إن كان المقصد الأصلي للكاتبة هو تقريب القارئ/ة من الثقافة الصومالية بترصيع نصها بكلمات صومالية للقارئ الإنجليزي، لماذا يجب علينا تلقيم القارئ العربي الشروح وتشويه روح النص؟ الكلمات التي يوجد لها مرادف في العربية نجعلها بالعربية، ماعدا ذلك يجب أن نبقى أمناء (قدر استطاعتنا) للنص الأصلي.

لكن هناك كلمات أمكننا تقريب معناها للقارئ، مثال على ذلك كلمة Guddi:

“The men and the women of the Guddi, the neighborhood watch of the regime …”

ترجمناها على النحو التالي:

” لقد أمضى رجال ونساء “الغودي“، وهي عين النظام في الحي…”

بالنسبة للضمير (هي) فهي تعود على كلمة غيبناها قسرا وأبقينا الضمير للدلالة على: فرقة، مجموعة، كتيبة، ثلة…إلخ.

أخيرا، ظهرت ملاحظتان خلال ترجمتنا للنص. الأولى هي علامات الترقيم، فهناك قواعد ناظمة لعلامات الترقيم في اللغة الإنجليزية. وعلى الرغم من أهميتها إلا أنها مهملة في اللغة العربية. لكن عرض الأفكار ونبض النص يجب أن يرشدا المترجم في استخدام علامات الترقيم في اللغة العربية. قواعد إستخدام علامات الترقيم باعتقادي، هي قواعد عالمية.

الملاحظة الثانية، هي ضرورة تواصل المترجم مع كاتب/ة العمل الأدبي، ولقد أدركنا أهمية هذا التواصل الذي مهد لنا فهم أفضل للنص الأدبي لأنه نص ذاتي، وجعلنا نأتي بترجمة أفضل وأدق.

أنهي مقالي هذا بالتعبير عن وجعي للحالة المأساوية التي وصلت إليها ترجمة الآداب للغة العربية. فالنصوص الأدبية والتي هي عماد الإبداع البشري، تعامل بدونية وبإحتقار من قبل دور النشر قبل المترجمين. إن مهنة الترجمة مهنة مستباحة مع الأسف. فهل نحن مدركون للإساءة التي نسيء بها لأنفسنا ولمستقبلنا ولثقافتنا اذا ما استمرينا في هذا الإنحدار؟

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Literature, عربي and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s