أوقفوا مسوخ سوريا


1470184_10202421242997681_29204975_n

في سوريا، هناك قصة عتيقة خلف كل حجر وشجر. هذه البقعة من الارض كانت قد أهدت العالم أبجديته الأولى ومعوله الأول. هذه الارض التي دافعت عنها ملكة تدمر زنوبيا وخاضت ثوره ضد الامبراطورية الرومانية. كل من يأتي الى هذا المكان سيصطلي بالحنين والحب، سيحب ماتمثلة سوريا ويتمنى ان لايغادرها، ومع ذلك، فإن أبنائها لايتوقون الا لرحلة تأخذهم بعيدا عن هذا المكان على الرغم من عبق التاريخ الذي يحوم بين جدران المدينه القديمة الممزوج برائحة توابل سوق الهال. تهاجمك رائحة الياسمين اينما رحلت ويريح نفسك بياض زهوره النقية المتعربشة على الجدران. اليوم، كل الياسمين في سوريا لايمكن أن يغطي لون ورائحة الموت الجاثم خلف كل زهرة.

مثل غيري، غادرت بلدي منذ زمن لأبحث عن ذاتي. منذ بدء الثورة، تمزقني الافكار والهواجس عن كل أحبائي في الداخل فأنا أعيش في الظلمات هنا بعيدا عن القنابل. وتمر الأيام بقسوة متوحشة وتزداد الجرائم والمجازر، ومعها يزداد قنوطي ووجعي، تتفتق جروحي القديمة وتنفتح جروح جديدة.

في الشهور الماضية، تبلورت عادة جديدة لدي في أن ألتقط هاتفي كل ساعة من ساعات النهار والليل لاقرأ ماذا يحصل، يبدو لي انها ضريبة من يعيش في الظلمات بعيدا، فلا تنام ولاتمضي بعيش روتين حياتك السقيم. في ليلة من الليالي المؤرقة، أضواء سيارة خافته تسللت الى غرفتي وعكرت الظلام الدامس، رفعت هاتفي في الساعة الثالثة صباحا وبدأ يضيء وأنا أبحث عن خبر. يومها ظهرت على هاتفي صور مجزرة كرم الزيتون في حمص. أصابتني موجة هلع وأنين عندما رأيت صورة خمسة أطفال مشقوقة اعناقهم ورؤوسهم، وثيابهم الملونة مبلله من الرعب. سألت نفسي: كيف اعود إنسانا بعد مارأيت؟ هُيأ لي وأنا أنظر الى الصورة، أنه يوجد بجانب أحد الاطفال الرضع خشخيشة صامته ملقاة بجانب صديقها. في نفس الليلة رأيت صورة أم تم اعدامها مع أطفالها الثلاثة، كان جسد الام مسجى بوضعية توحي بأنها إما كانت تحمي أطفالها او أنها كانت تتضرع لله أن يحميهم.

لطالما سمعت وقرأت للذين يؤيدون فعل القتل بأن الاطفال يجب أن يقتلوا لأنهم لا يريدون ثأرا في قادم الأيام. هذه المجازر ضد من لاحول لهم ولاقوة ليست دفاعا عن النفس، وهي أيضا ليست بدافع الخوف، و ايضا ليست افعال عصابات مسلحة او جماعات ارهابية. هذه الافعال تدعى حرب إبادة، لا أكثر ولا أقل.

يشاركني تفاصيل يومي سؤال لا أجد له إجابة، كيف يمكن لانسان ما أن لايحوي بين أي عضو من أعضاءه ذرة من الرحمة والشفقة على طفل يذبح؟ وارتكاب هذا الفعل الحيواني مرة بعد مرة بعد مرة؟ أي مسخ يصم أذناه عن طفل يجهر ببكاء مريع وهو يرى الوحوش التي سمع عنها في القصص الخرافية تأتي إليه في الواقع لتشرب دمه؟ هل يحس هذا الكائن الذي لا يُعّرف في عالمنا بالجذل أمام تقلصات طفل ضعيف؟ أن يوجد هكذا مخلوق كان يوما يمشي ويعيش بيننا، وأن يكون سوريا مثلنا، يفكر ويشعر كبقية البشر.

لقد قطع شعبي طريقا طويلا منذ أن كان السوريون يغنون ويدبكون في ساحات القرى البعيدة وشوارع المدن. فجأة اكتشف السوريون بعضهم وتلمسوا محبتهم وعطفهم على بعضهم، واجتذبتهم طاقة الفرح المفتوح في دروب سوريا كما يجتذب ضوء الشمس أعناق الورود. فاجتمعوا وتكاتفوا وعرفوا عن روعتهم ماخفي عنهم وما أخفي عنهم. لكن أولئك الذين لم يحبهم يوما أحد، المشوهة أرواحهم لم يحتملوا الفرح فأحالوه الى موت. عندها، نفر السوريون الى ساحات الوغى يدافعون عن فرحهم المختطف.

اليوم، يموت اكثر من ١٢٠ سوري كلما دارت نجوم السماء في ابراجها. وغيرهم الكثير ممن يجرحون، يفقدون ويعتقلون. هل هناك جدران لتحاصر شعب بأكمله؟ ومع ذلك حتى اليوم يتحايل المجتمع الدولي على العالم بالتهرب من وصف مايحدث في سوريا بثورة لنيل الحقوق. يصر من في قلوبهم مرض أن يقولوا أزمة، أو صراع أو حرب أهلية. هذه محاولة لتزوير مطالب الشعب من أجل الحصول على أبسط حقوق الانسان. أن يصفوا مايحدث في سوريا بأوصاف غير الثورة لنيل الحرية والعدالة، ماهو الا محاولة للتهرب من حماية المدنيين. هذه التوصيفات الخاطئة أعطت عطاء للنظام السوري في أن يفتك بشعبه. إن وصف مايحدث في سوريا هو قتال بين النظام السوري ومعارضين مسلحين هو تقزيم لطموح السوريين من أجل الحرية، وهو عذر قبيح للمجتمع الدولي من أجل التهرب من مسؤوليته الانسانية في حماية المدنيين. محاولة تزييف مطالب السوريين ماهو الا محاولة لعرقلة سعيهم إلى الديمقراطية. أم الديمقراطية لاتليق بنا؟

ادعو قارئ هذا المقال بأن لا يدع صمته يمهد للمزيد من الجرائم. ارفع الصوت لأي درجة وبأي طريقة ضد الجريمة التي ترتكب بحق انسانيتك، تحرك في المساحة المخصصة لك. طالب يوقف تدفق السلاح والمرتزقة الى سوريا كل يوم فهي تستخدم لقتل اخوتك واخواتك واطفالك وأهلك. طالب حكومتك بمزيد من الفعل. تحرك قبل فوات الآوان.

أحلم باليوم الذي سأتمكن فيه أخيرا من العودة الى سوريا حرة، في سوريا حيث يهز الطفل خشخاشته بسعادة في عتمة الليل الهادئ.

 ——

كتب هذا المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية عام ٢٠١٢ من قبل صاحبة هذه المدونة

Hummingbird

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Syria, عربي and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s