إنها دائما أبسط الأشياء: رحلة من رحلات السندباد


800px-Sinbad_the_Sailor_(5th_Voyage)

كعادته كان عياش يهرول في شوارع المدينة ينصت لهمس الموتى. مر بجانب كومة من القمامة في الشارع عندما سمع صوت طفل يهدهد لنفسه أغنية لينام. اقترب عياش منه فلو لم يسمعه لما رآه خلف الكومة مخفيا منسيا. فقد أصبغت عليه الكومة شكلها وألوانها. لقد كان مستلقيا على وجهه فوق الرصيف خده الأيمن يلامس البلاط المكسر، وكيسه الأسود الذي يضع فيه مايجمعه من أغراض وبقايا طعام  ملقى بجانبه. فردة حذائه الذي يعود لوالده المختفي مشلوحة بقربه في الشارع والفردة الثانية لازالت عالقة بقدمه. اقترب منه عياش ومسد شعر الصبي المشعث وجبهته المتسخة بشحار أسود. استلقى عياش بجانب الصبي، وضع خده اليسار على الأرض أمام وجه الصبي. الصبي الميت فتح عينيه ونظر إلى وجه عياش. سأله: عمو، احكيلي حكايه قبل مانام؟

عياش: رح احكيلك قصة عن رحلة من رحلات السندباد، شو رأيك؟

الصبي: اي

 كان يامكان في قديم الزمان، وسالف العصر والآوان، كان السندباد يمخر عباب البحر باحثا عن وادي العنقاء المميت الذي تحرسه الغيلان. كان البحارة ينشدون أهزوجة يابحر جاءك البحارة يمتطون لجج اليم، كن أبا رؤوفا بنا وسلمنا من لوعة الدم. وبينما كان يستخدم أداة الربع لتحديد ارتفاع الأجرام السماوية عن الأفق، تحول البحر الى كثبان رملية  وبقيت السفينه تبحر في الصحراء التي بدت لامتناهيه. ثم اختفت الاجرام  من السماء وبدأت خيالات الخرافة تطفطف في السموات. سمع السندباد أصوات تتضرع تعلو شيئا فشيئا حتى وضع السندباد وبحارته أيديهم على آذانهم من ضخب الاصوات. ثم بدأت السفينه تتخبط وكأنها ترتطم بصخور تحت الرمال. تجمدت السفينه لبرهة مع اختفاء الاصوات وبدأت تدور حول نقطة فيما يبدو أنها دوامة رمال متحركة تسحب السفينة للأسفل. كل تمسك بشيء ثابت وشرع البحارة بالصلوات والدعاء، ناجى السندباد الله: يارب إن كنت مذنبا فارحمني، وان كنت لك عبدا صالحا فافعل بي ماشئت

في منتصف الدوامة توقفت السفينه تماما، وهوت مرة واحدة وبسرعة هائلة بحيث لم يتحرك أي شيء من مكانه. ارتطمت السفينة بالأرض وفقد الجميع وعيهم.  عندما فتح السندباد عينيه كانت الرؤية مغبشة، لكن كانت هناك موجودات تتلألأ على شكل دوائر، ثم وضحت الرؤية. كانت هناك أيكة هائلة وأشجار بأغصان غريبة دائرية تتدلى منها فوانيس لم تشهد عين مثلها، بعضها مصنوع من الزمرد وبعضها من الزبرجد وبعضها من الياقوت وبعضها من الماس، وبعضها من الذهب وبعضها من الفضه وبعض الفوانيس من زجاج شفاف مصقول ترى داخلها الزيت. بدت الفوانيس تتنفس لأن شُعل النار في فيها تنطفئ وتشتعل ذاتيا. أحس السندباد بهواء معطر وتساءل إن كان سبب ذلك تنفس الفوانيس. نظر إلى الأعلى وإذا بسقف زجاجي يتقوس شيئا فشيئا نزولا إلى الأرض. عندها عرف بفطنته بأن هذا المكان يقع داخل كرة زجاجية. نزل السندباد من السفينه وأمر بحارته بالبقاء على سطحها حتى يتقصى المكان. بدأ يسير في الممشى المصنوع من الأحجار الكريمة التي عرفها ولم يعرفها الإنسان، حتى وصل إلى الحائط آخر حديقة الفوانيس. اقترب من الحائط وسمع صوتا

 بست ..هيه أنت ياهذا –

نظر السندباد أمامه نحو الجهه التي أتى منها الصوت، فوجد مجموعة من المخلوقات العجيبة مجتمعة خارج حائط البللور. كان كل مخلوق يتكون من أجزاء مختلفة من مخلوقات أخرى وكأنه تم تجميعها على عجل. الذي ناداه كان مؤلفا من جسد تمساح ورأس ثور وجناح طائر من اليمين واليد الأخرى كانت يد ضفدع صغيرة جدا وغير متساويه مع باقي الأجزاء الضخمة

 هيه هلا أتيت هنا؟ –

 أين أنا؟ سأل السندباد –

 في المشكاة –

ـ “وما أنتم” سأل السندباد

 نحن قبيلة المسوخ وأنا الزعيم هنا –

 وكيف جئتم؟-

 لم نكن دائما هكذا، كنا جميعا مثلك يوما ما –

 وما الذي جعلكم بهذه الهيئة؟ –

 الفوانيس –

 كيف؟ –

– حديقة الفوانيس ورائك هي في الحقيقة حديقة الأرواح النقية في العالم العلوي. كل نفس تموت تُجعل زيتا في أحد هذه الفوانيس.

 ولماذا لم تُجعلوا في الفوانيس أيضا؟ –

نحنا جميعنا كنا في رحلة للبحث عن عش العنقاء وبيض الخلود. لكننا مررنا بهذا الاختبار هنا. لكي تخرج عليك باختيار الفانوس الأول الذي سيكون مفتاحا للخروج من كرة البللور. وإن اخترت الفانوس الخاطئ ستعيد تشكيلك الارواح وتبقيك في البرزخ ههنا حتى يقضي الله أمرا كان فيه مفعولا.

 وكيف أعرف الفانوس الصحيح؟ –

صاحب الفطرة السليمة يعرف. إن أردت تعال هنا لأدلك على الفانوس الصحيح، لقد فطنت إلى الخيار الصحيح بعد أن تحولت إلى هذه الهيئة التي تراني عليها.

 فكر السندباد قليلا، وسمع همهمات لم يرتح لها، ثم مد يده عبر البللور، فتحول مكان عبور اليد إلى طاقة صافيه أثيريه. سحب السندباد يده ثم مد قدمه عبر البللور، عندها سمع شخرة عاليه ومسخ بهيئة رجل ليس لديه يدين وأطرافه كلها أقدام يمشي عليها كما تمشي الدواب على أربع، انقض عليه فاغرا فاه مُظهرا فكيه خارج شفتيه وأسنان مدببه  طويله. في الوقت الذي سحب السندباد به قدمه بسرعة متعثرا للوراء، كان فك المسخ قد ارتطم بالزجاج ولشده الارتطام طُرح ارضا على جانبه. زمجرت المسوخ بغضب بسبب تسرع المسخ في الإنقضاض على السندباد، ثم  انقضت جميعها على المسخ المتعجل ومزقته اربا اربا من الغيظ. وهجم زعيمهم على الزجاج وصرخ بجنون.

– لن تستطيع أن تخرج من هنا أبدا أيها القذر، ستختار مثلنا الفانوس الخاطئ وتطردك الأرواح إلينا، عندها سنفعل بك أكثر مما فعلنا بهذا. وأشار إلى أشلاء المسخ الممزق. ثم صرخ مرة ثانية ونطح الزجاج.

ماذا تريدون مني؟ –

 نحن جوعى، وسئمنا أكل لحم بعضنا العفن. لكن لابأس، عندما ترميك الأرواح إلينا سيكون لدينا متسع من الوقت حتى نأكلك قبل أن تتعفن.

تراجع السندباد إلى الحديقة. وبدأ يبحث فيها عن الفانوس الذي سيخرجهم من هذه المكان الغريب. كان  حائرا فهناك آلاف الفوانيس المختلفة. بحث السندباد طويلا وكاد يثبطه التعب قبل أن يلمح في وسط ضباب يتلألأ كالفضة شجره قديمة قصيرة محاطه بسور خشبي تحمل فانوسا وحيدا من النحاس. اقترب منه السندباد ومد يديه وقطفه من الشجره. انتظر ثوان عده، وتنفس الصعداء لأن الأرواح لم تعد تشكيله. لكنه لم يعد للعالم العلوي أيضا، لابد أنه الفانوس الصحيح، لكن لماذا بقي معلقا هنا في هذا العالم؟

جلس السندباد على الأرض ونظر إلى المصباح القديم، ثم بدأ يمسحه بكفه، بدأت الشعلة المعلقه بالهواء فوق فم الفانوس تعلو وتكبر. ثم اشتعلت نار هائلة وخمدت مخرجة من نارها جنيه جميله بعينين سوادوين وشعر طويل لدرجة أن السندباد لم يشعر الا وهو يجلس فوق امتداد شعرها.  وقف السندباد مشدوها بما رأى متأملا جمال الجنيه.

ما أنت؟ قال السندباد

 أنا حارسة الأرواح –

وماهذا المكان؟ –

 إنه المشكاة التي تنتهي إليها الأرواح الطاهرة –

 وما المخلوقات الغادرة التي تعيش خارج المشكاة؟ –

 إنها قبيلة المسوخ، البشر الذين حاولوا سرقة أحد الفوانيس بسبب طمعهم وتعجلهم لايخرجون من هنا أبدا.

 وكيف أتوا؟ –

– كما أتيت، كانوا في المكان والزمان المناسبين ليقعوا في دوامة المشكاة التي تظهر كل مئة عام في العالمالعلوي.

لم يكون أفقر فانوس هنا هو المفتاح؟ –

إنها قيمة أبسط الأشياء ياسندباد. غيرك لم يؤمن لكنك أنت آمنت –

 هل يمكنك إخراجي من هنا؟ –

وأين تريد أن أحملك أيها السندباد النبيل؟ –

أريد أن أعود مع بحارتي إلى بغداد –

ألا تريد متابعة البحث عن عش العنقاء؟ –

وهل هناك رحلة يرتحلها المرء بعد أن يصل إلى المنتهى؟ –

 ابتسمت الجنية وأعجبها جواب السندباد

لك ذلك، سأحملك وبحارتك إلى بغداد –

حملت الجنيه السندباد وطارت به نحو سفينته فتارة تهبط به وتارة تعلو، ثم حمل شعرها الذي ينمو أبدا السفينة بمن فيها وبدأت خصلاتها تتحول لأمواج ثم تحولت الأمواج إلى دوامه مخروطية تدفع بالسفينه  إلى الأعلى بحركة متسارعة، اقتربت الجنية من السفينه ووضعت السندباد داخلها ثم تراجعت واختفت بين أمواج خصلاتها. ارتقت السفينه للسطح بسرعه ثم ظهر ضوء النهار آخر دوامة الماء، وانبثقت السفينة نحو العالم الخارجي فأغمض السندباد عينيه بسبب وهج ضوء الشمس. وعندما فتح السندباد عينيه وجد نفسه في قصره في بغداد، قام ومشى إلى الشرفة متسائلا هل ماجرى حلم أم حقيقه.

 عياش: حلوه ولا فتفوته؟

 حلوة كتير عمو –

 رح احملك وآخدك لتختك –

 عمو، معلش تاخد فردة صباطي المرمية هونيك، بابا بيضل يزورني لأن معي شي من أثره –

 على راسي –

حمل عياش الصبي وبدأ يلاعبه وهو في طريقه إلى المقبره، يمسكه ويرفعه إلى الأعلى ويطيره في الهواء كما كانت الجنيه تفعل مع السندباد خلال طيرانها نحو سفينته. وعندما وصل للمقابر وضع الطفل في  سريرة الأخير لينام  وتُجعل روحه زيتا في فانوس سحري

——-

هذه القصة جزء من روايتي التي لم أنتهي من كتابتها بعد. قد يوجد في النص هنا أخطاء في علامات الترقيم أو غير ذلك لكي واجهت صعوبة في الكتابة في مدونتي باللغة العربية. كافة الأفكار والتعليقات مرحب بها.

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Literature, Syria, عربي and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s