‎الجبل وناطحة السحاب


original-abstract-tree-landscape-painting--mountain-majesty-amy-giacomelli

مزاج الغرفة ساكن والوقت مفقود. كلما مد الهواء يده وحرك الستائر تسلل النور داخلالغرفه يتلاعب بجفون نوّار. تفتح نوّار عينيها وكأنها وُجدت للتو. لامعنى للذاكرة ولالقادم الأيام، هي الآن هنا وهو أنفس قيمة تحملها. لاشيء تسعى إليه، لامدرسة تتنافس فيها ولاأوامر تلزمها ولاواجبات تؤديها. كانت دائما تقضي الصيف في منزل جدها الذي بناه بيديه على أطراف ضيعة غافية فوق جبل التين والزيتون المنسي.

 تقفز نوّار من فراشها وتفتح الباب المودي إلى ترّاس عريض ليظهر لها يوم صيفي مشمشي دافئ ككل يوم في هذا الموسم، على إحدى حوافه مصطبه مزروعه نعنعا بريا وزعتر وريحان، تتجه أولا نحو الريحان لتأخذ عبقا عميقا من عطره. تضع يداها على حافة التراس وتترك الرياح الأبدية التي لاتتوقف عن الهبوب بنفض مابقي من غبار المنام. تتحرك بسرعة لتنزل الدرجات نحو البئر الواقع تحت درج السلم، ترفع عمّتها الماء بسطل جلدي مربوط بحبل طويل وتسكب الماء القارس في جرن كي تغسل نوّار وجهها، ثم تخطف نوّار جزء من تنورة عمتها العريضة وتضعها على وجهها لتمتص الماء ثم تفرُّ مقهقة بعد أن تجذب عمتها تنورتها بحزم متمتمة بتوبيخ لم تسمعه نوّار بسبب ابتعادها نحو المطبخ. تقف جدتها قرب الطاولة المفتوحة يدويا لتعد طعام الإفطار. ابريق الشاي يزمجر على البابور، هناك صحون جبنه ولبنه صنعت من حليب بقرة المنزل، وزعتر، وزيتون من شجرة الدار العجوز، وتين مجفف. تُناولها جدتها سلة من القش وتطلب منها احضار البيض من قن الدجاج في منزل عمتها المجاور. تركض نوّار داخل المنزل نحو القن الصغير وتمد يدها تحت الدجاجات الراقدة على بيوضها، استلّت عدة بيضات وتراجعت فرحة بغنيمتها. تناول جدتها السلة فتسألها الجدة.

بيض مقلي ولا مسلوق؟

نوّار: مقلي عيون تيته

 حاضر تيته

تسرع نوّار نحو غرفتها في الطابق العلوي لتغير بيجامتها الغير المتناسقة، فالقميص والبنطلون ينتميان لمجموعتين مختلفٌ ألوانها ورسوماتها. لكن في هذا الوقت من العام وفي هذا المكان بالذات، قلّما اكترثت نوّار بما ترتديه فهي في إجازة من أي اعتبارات أو اهتمامات أو نوازع داخلية.ترتدي قميص أبيض فوقه أفرول جينز بحمالات بجيب عريض على صدرها تضع فيه ازهار بريه وأحيانا قطط صغيرة. تنزل للطابق السفلي لتتناول طعام الإفطار، لكن خلال مرورها بالردهة تمسك والدتها بأذنها على حين غرة وتشدها.

اليوم مافي شطح برا البيت، فهمتي؟

تجيب نوّار بألم: حاضر حاضر. إلا أنها لم تكن صادقة تماما في إجابتها، وتعلم أمها ذلك. تنهي نوّار إفطارها وتأمرها والدتها بالموث في الغرفة. تجلس في الطابق العلوي على حافة الترّاس قرب أعشابها المعطرة تنظر إلى الأفق الزيتوني الجميل. بالكاد تستطيع كبح جماح نفسها كي لاتعدو بأقصى سرعة خارج البيت وأمها تعدو ورائها لاهثه تعدها بالعقاب عندما تعود. الرياح الأبدية تكلمها وتغريها بالخروج واللعب معها في الطرقات. فكّرت نوّار بطريقة للتسلل دون أن يلحظ أحد غيابها مقنعة نفسها بأنها ستغيب لساعة واحدة فقط، عندها خطرت لها الفكرة وحزمت أمرها. تنزل نوّار الدرجات بخفة وتتجه للطرف الخلفي من حديقة البيت، تزحف خلف حديقة الخضروات الصغيرة حتى تصل إلى حائط الزريبة. تتسلق الحائط الحجري نحو السطح، تتخفى خلف أكياس الخيش المملؤة بالحنطة نحو الجدار الواصل بين بيت جدها وبيت الجيران. تنزل على شجرة التين وتصرخ جذلة بأسماء أصدقائها الذين يحضرون فرحين. ينطلقون معا نحو منزل أحد أقربائها من أصحاب المواشي. هناك يلعبون بين الخراف التي تتهيأ لرحله المرعى، تستلقي نوّار تحت معزتها التي تحبها وتحاول عصر الحليب من ضرعها دون جدوى. تأتي زوجة الراعي إليهم بوعاء مملوء بحليب طازج، فتشرب نوّار وأصدقاؤها وينطلقون معا نحو المطحنة التي يعمل فيها جدها. أصدقاؤها يفضلون اكمال طريقهم نحو أرض التين والعنب بينما تدخل نوّار المطحنة. تجد جدها مغطى بطحين أبيض من رأسه حتى أخمص قدميه، تجري إليه لتعانقه.

 نوّار: كيفك جدو

الجد: منيح جدو، ماقالتلك أمك لاتطلعي من البيت؟

نوّار: بدي شوفك

الجد: يالله روحي ارجعي عالبيت

نوّار: مابدي.

تنطلق نوّار نحو الطرف الآخر من المطحنه لتهرب من باب قصير يفضي إلى ساحة الأعراس. لايوجد اليوم عرس لكن بعض الناس كانوا يسلقون قمحا في قدر هائل الحجم. ناولها أحدهم صحن معدني مملوء بالقمح المرشوش بالسكر. لفت نظرها صوص صغير في وسط الساحة فركضت نحوه لتمسك به، ركض الصوص حول الساحة وركضت نوّار وراءه غير مدركه بأن أمه الدجاجه كانت تلحق بها لتنقرها نقره مؤلمه عند كاحلها وتفر نوّار نحو الطريق الزراعي لتلحق بأصدقائها. تعبر مقابر القريه نحو الطريق الفاصل بين أراض مختلفة محددة بأسوار حجرية بناها الفلاحون، هذه الأسوار كانت تجتذب نباتات بريه شوكيه صفراء تنمو على أطرافها تكرهها نوّار لأنها كانت تلتصق بثيابها عندما تتسلق هذه الأسوار. تصل أرض التين فتجد أصدقاؤها فوق أشجارهم، وشجرتها المفضلة تنتظرها فتهرع نحوها وتتسلقها وتبدأ بتداول المزاح والحكايات وقطف ثمار التين. قررت وأصدقاؤها النزول نحو شجيرات العنب الأخضر وقطف بعد العناقيد، ينزل صديقها حسن أولا ويتجه نحو العناقية ويقطف أحدها، كان البقية يقفون وراءه، فجأة يظهر ثعبان من تحت الشجيرة فيولّون الأدبار جميعا صارخين نحو الطريق الزراعي، وفي منتصف الطريق توقفوا من الانهاك وضحكوا وتشاركوا عنقود العنب اليتيم عائدين أدراجهم نحو الضيعة. يصلوا إلى دكانة أبو نبو، يشترون الكازوز الأحمر الذي يعبئه لهم البقّال في أكياس شفافه ويضع المصاصات بداخلها ويوصيهم بإمساكها جيدا من المنتصف. تنزهوا نحو بيت قريب ملحق به مغارة يضع بداخلها أصحاب المكان مؤونتهم، لكن لم تكن نوّار تجرؤ ولا أي من أصدقائها على النزول إلى الأسفل ويبررون خوفهم برواية قصص مخيفة ينسجها خيالهم عن العفاريت التي تسكن في المغارة.

 اتفقوا بعد ذلك على التسابق حول الضيعة، وعندما عبرت نوّار من أمام بيت جدها أطلقت رجليها للريح بعد أن هُيء لها أنها سمعت صوت والدتها ينادي اسمها. بعد أن عادت إلى بيت أصدقائها وجيرانها، عاد ادراكها بالوقت وكان أغلب النهار قد انقضى وعليها أن تعود قبل أن يتضاعف العقاب بعد غياب الشمس. ومع علمها بما ينتظرها من والدتها إلاّ أن نوّار كانت سعيده وحره لدرجة أن كان ماينتظرها لن يعكّر صفوها ولن يمنعها من إعادة الكرّه غدا…

 نوّار..نوّار وين التقرير؟

يعود ادراكها بالزمان والمكان، السماء السمراء اللانهائية استبدلت بسقف واطئ من الاسمنت والحديد، ورائحة التراب استبدلت بمعطرات الجو الكيميائية والعطور المصنّعه. كل شيء يبدو من الجنس النفسه، أطنان من الرتابه والإنكفاء تسحق نوّار تحتها. موسيقى الطبيعة استبدلت بفوضى حديث النميمة وكلام عمّا يجب فعله ومالايجب فعله، وضجيج أبيض يقودها للجنون. أوراق بيضاء مرمية في كل مكان كانت يوما شجره تشبه شجرتها المفضلة. وروح غائبة ومغيبه.

نوّار: نعم خلص التقرير، رح ابعته بالإيميل

تجلس نوّار لساعات طويلة كي تنهي عملها وكأنها ضريبة كل الأيام التي كانت تجري فيها إلى كل مكان. تتخيل الوحشه نباتات غامقة متسلقة تعربش على الجدران وعلى جسدها. لاشمس مشمشيه هنا ولارياح أبدية. تعيش على ضوء النيون الكرب الذي يمتص طاقة الأرض ليلا نهارا داخل ناطحة سحاب متوحشة تعج بالحركه تمتد وتتطاول ولن تكون أبدا بجمال جبلها البعيد.

 

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Literature, عربي and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s