مجتمع السحاب


ساعة وينتهي الدوام، لا زالت أصابعه تضرب على لوحة مفاتيح حاسوبه بصمت، عيناه مثبته على الشاشة المضيئة، عليه أن ينهي عمله قبل نهاية الدوام فهو لايطيق البقاء بعد انتهاء ساعات العمل لكنه لايغضب إن بقي مره أو أكثر في العام. المكتب هادئ، الجميع يعمل بهوس وتركيز فائق، لا أحاديث متبادلة، لا هواتف، عندما ينتهي الجميع يقفون ويبدأون بالسير معا نحو المخرج الذي يضيئ بلون أخضر.

في آخر ١٥ دقيقة باغتته رؤية عجيبة، للمرة الأولى منذ بدأ عمله يشاهد خيالا موازيا للواقع، مشهدا قصيرا في عقله يكاد حقل الجاذبية فيه يشده إليه وهو أكثر واقعية من حالته الراهنة في العمل. في الرؤية، انتقل لمكتب مشابه فيه لغط وحركة، هواتف ترن، أحاديث متبادلة، ورائحة قهوه تفوح من ماكينه صغيرة بجانبه. لأول مرة يسمع صوت مفاتيح الكمبيوتر تضرب وعلى الشاشة صفحات ترفيهية مفتوحة ومخفية وراء نافذة برنامج العمل. ظهر شبح ابتسامه على شفتيه، مد يديه وأصابعه أمامه، استطاع رؤيتها للمرة الأولى، لون بشرته، قرّب يده نحو أنفه واستنشق رائحة جلده، أثر لقهوه وصابون ورائحته الفريدة، رائحة إيليا وكان ذلك مشهد للحياة.

رن جرس انتهاء الدوام، فاستفاق من رؤيته. وكأنه يسمع الجرس للمرة الأولى، ذكرى الصوت بدت وكأنها حشرت في رأسه، قام مع القيام واتجه نحو المخرج الأخضر وانطفأ كل شيء. أمسك بخوذته الالكترونية ورفعها عن رأسه. لا زالت الرؤية تحوم بين تلافيف دماغه، وشعر بحنين عظيم للوقت الذي كان يستخدم فيه جسده وليس عقله فقط. زمن ما قبل تفعيل العمل بتكنولوجيا الاسقاط العقلي في الحوسبة السحابية وابتكار الخوذة التي تستطيع معالجة المعلومات الدماغية، لكن ما تم اكتشافه أن هذه الخوذة يمكنها عكس الأفكار وتحويلها إلى واقع في عالم مواز، ويمكن لعناصر خارجية المشاركة فيها بل وتغييرها وتحويرها. 

لايذكر ايليا متى شرب قهوة حقيقية للمرة الأخيرة، لقد مضى سنوات، ولايذكر متى ركض في الشارع للمرة الأخيرة، ولايذكر متى رأى الشمس. تعلم ايليا بصعوبة كيف يسيطر على أفكاره لكي لاتنعكس في العالم الآخر، يكسر ايليا القانون أحيانا ويشتري بعض القهوة المهربة، وبعض البونبون الملون الحقيقي من بعض مروجيهم وصانعيهم في الشوارع، المطلوبون للعدالة والذين رفضوا الحياة داخل مجتمع السحاب، أو تمردوا عليه، لطالما حسد ايليا شجاعتهم لأن من يتم الامساك به منهم يعاقبون بمسح كل مايعرفونه من عقولهم وحبسهم في مجتمع سحاب غرائبي صممه أحد مصممي الألعاب لتتجسد أفكار المسجونين البشعه وتهاجمهم إلى الأبد دون أن يكون لديهم أي فرصة في خلع الخوذة، يساق هؤلاء للجنون وعندما يصلون لهذه المرحلة، سينفذ فيهم المادة العاشرة من القانون رقم واحد المتعلق بالعقول المنفلته من أي حدود (أي المجنونة) والتي خارج سيطرة الخوذة سيتم ادخالها في الحالة السكونية. لذلك لم يكن ايليا مستعدا لمواجهة هذا الاختبار، أقصى حدوده هي أن يقتني شيئا حقيقيا من الملموسين، وهو اسم المطلوبين للعدالة. حلم الحياة اليوم أثار في نفسه اضطرابا كبيرا، لابد وأن رآه القائمون على مجتمع السحاب، لقد تسربت منه في لحظة فقد فيها السيطرة على نفسه وهو الذي تدرب وقتا طويلا على التحكم بأفكاره. 

عندما بشّر القائمون على مجتمع السحاب بعالمهم الجديد، وعدوا الناس بعيش حياة افتراضية بحيث يتمكن الجميع من تخيل سيناريوهاتهم الخاصة وعيشها في مجتمع السحاب، سرعان ما اختفت الحياة الملموسة ودخل كل شيء في عالم افتراضي، المعامل، المدارس، الحدائق، الشهرة، العمل، أطايب الطعام كل شيء أصبح هناك، حتى القوانين والمحاكمات أصبحت هناك. لم يبق في الحياة سوى القوة الضاربة لدولة الشركات للقبض على غير المتعاونين و الرافضين الاندماج في المجتمع الحديث واتهامهم بنشر البلبلة والقلاقل و القيام بعمليات تستهدف أمن مجتمع السحاب. وسمح للناس نزع خوذهم عندما يتعين عليهم الأكل أو قضاء الحاجة فقط، وأما من يظهر قدرة كبيرة على انعدام الأفكار مثل ايليا فيسمح لهم نزع الخوذ بعد انتهاء العمل لمدة ساعة. لكن من غير الممكن ترك الناس يخلعون خوذهم خلال النوم، فهناك الأحلام الأخطر التي يمكن لطاقتها أن تهز تشكيل المجتمع.

كانت الخوذة تصدر صوت تنبيه، عرف ايليا أنه يتم استدعاؤه وإن لم يجب فسوف يجد الأمن مقتحما مكانه. أعاد الخوذة على رأسه وضغط زر التشغيل، ظهر رئيسه في العمل مقطبا حاجبيه، نظر إليه بقلق وقال أنه تلقى تقريرا من المشرف يقول أنه غير مكان العمل في آخر الدوام، وأن التغييرات في مجتمع السحاب غير مسموحة الا للقائمين عليه، وأنبه على ترك عقله يهيم في حلم يقظة وهي تعتبر جريمة عظمى، والأسوأ أنه يكاد يكون ملموسا. أخبره بأنه مضطر لرفع التقرير بسبب الاضطراب التي حصل في الشبكة ولن يكون بمقدورة حماية ايليا إن تقرر القبض عليه. 

فجأة تحول العالم للون الأسود، ووجد ايليا نفسه يطوف في الهواء متجها للأمام، يدخل متاهة، لكنه لاسلطان له على طوافه داخلها، شيء ما يحركه ويقودة، عندما خرج من المتاهة كان بانتظاره مجموعه من الأشخاص الغرباء. رحب به أحدهم وأخبره بأنهم جميعا خارج رقابة مجتمع السحاب و القائمون عليه، وأنهم مطلوبون للعدالة لأنهم ملموسون وقد خاطروا اليوم بأرواحهم ليجدوا مخلصهم. 

خاطبهم ايليا بعينين مفتوحتين عن آخرهما: “من يخلصكم؟ أنا مجرد شخص بجعبة أفكار فارغة، لاطموح لدي ولاغايات.”

أخبرته المجموعة بأنهم بحاجة لشخص بموهبته، شخص يمكنه التسلل إلى المجتمع وكتم أفكاره للوصول لمصدر المجتمع والقائمون عليه.

“لن تتمكن من العودة هناك مرة ثانية، ارتكبت الجرم الأعظم بخلق مجتمع آخر، وتعرف أن الرسم بالعقل داخل جحيم التحكم بالأفكار هذا يعد أخطر من انفلات العقول المجنونة، لأن المجموعة الأخيرة تكون تهيؤاتها خارج عن نطاق سيطرة الجميع، أما أنت فخارج سيطرتهم تماما لكنك عاقل تمتلك نفسك بل وتستطيع خلق مجتمع آخر، قالوا لك أنه حلم يقظة، لكنه خلق عالم افتراضي جديد، ستعاقب بشدة” قال له أحدهم ثم أردف:” يمكنك الوثوق بنا، نحن بحاجة إليك.”

عرف ايليا في قرارة نفسه أنه سيعاقب بشدة، سأل المجموعة: “ماذا أفعل؟”

“اخلع الخوذة واخرج من البيت نحن آتون إليك،” أجابوه.

 

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Literature, عربي and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s