مزاد علني


mazad-preview

الساعة السادسة مساء، الأول من نيسان/آبريل ٢٢٥٠. لازالت نسمة باردة تهب على تلال الأمل، مكان لامرتفع ولامنخفض، يشهد كل الفصول باعتدال فلا زمهرير يجمد المفاصل ولا حر يسفع الجباه. حركة السير في المدينة الريفية تتجه نحو مكان واحد، دار سراب للمزادات، المشيّد على آخر تلة تطل على البحر. سيارات تلمع تحت ماتبقى من أشعة الشمس، وتعكس صفحة السماء على معادنها الصقيلة الملونه. كلما توقفت إحدى السيارات أمام بوابة الدار تسرب منها رجل يرتدي بدلة رسمية، وإمرأة ترتدي فستانا فاخرا مرصع بالجواهر. بوابة دار المزادات مصنوعه من آخر أشجار الورد التي عاشت على الأرض، نحتها فنان عبقري فقير وعده مدراء الدار بضمه إلى فريقهم، لكنه اختفى بعد انتهائه وبقيت تحفته شاهده على موهبته الوحيدة النادره والتي لاتقدر بثمن. كل شيء يتلألأ، من الأضواء إلى الناس، الكل يتلقى معاملة خاصة، فجميعهم مُلاّك من الطبقة الثرية في العالم التي تقلصت أعدادها خلال المائة عام الماضية من الحروب والنزاعات والانهيارات الإقتصادية والاجتماعية، ومدينتهم الصغيرة التي أسموها تلال الأمل هي واحدة من خمس مناطق تتوزع على القارات الخمس يقطنها الأثرياء. المكان محاط بالحديد والنار والتكنولوجيا للحفاظ على سلامتهم من ملايين المعوزين في الخارج الذين يعيشون في مدن مدمرة ويعتمدون في عيشهم على الموارد التي تصنعها معامل الأثرياء لهم.

الجميع في قاعة المزاد، ما إن استقروا على مقاعدهم حتى بدأ السباق على امتلاك لوحات ومنحوتات وممتلكات سابقة لفنانين عاشوا وماتوا في زمن الحروب، رسومات عن الحقيقة والعدالة والجمال وطرق الحياة، منحوتات وجدت في أقبية متاحف قديمة وغيرها مكتشفه حديثا وبعضها منحوت حديثا. ذكريات بشر كثر عاشوا وماتوا تاركين ورائهم نفحة أثيرة من أنفسهم في أغراض كانت لها قيمه معنوية كانت كنوزهم البسيطة. أحدها مكحلة متوارثة مصنوعه من الفضة تعود لقائدة المتمردين الذين ثاروا لآخر مرة عام ٢٠٨٠ للدفاع عن آخر مورد مائي مفتوح للناس ضد شركة “الماء حياة” يومها استعانت الشركة بالقوات العسكرية الحكومية، التي استخدمت أقصى درجات العنف لسحق المتمردين.

خطوط الهواتف مفتوحة مع المحميات الثرية في القارات الأخرى، ترتفع لوحات الأرقام وتنخفض، ثم تهوي المطرقة لتنهي البيع لصالح أحد المشترين. لكن الجميع كان ينتظر غرضا نادرا لم يسبق لهم أن رأوا مثله منذ أن قام العلماء في العام ٢١٠٠ بتعديل الصفات الجسمانية للأجنه لكي تتمكن الشركات من بيع مايحتاجه الناس لبقائهم، ومنها نزع قنوات الدمع لكي تتمكن شركة “العين مرآة” بيع محلول مائي عوضا عن الدموع، الفقراء الذين لايملكون شراء المحلول كانوا يستخدمون محلولا مخففا من الزيت وماء البحر المقطر، لذلك تبدو عيونهم صفراء.

أدركت دار المزادات أنها يجب أن تعرض غرضها الثمين أخيرا بعد عرض كل مجموعاتها. وعندما حان موعد عرض الغرض الأخير، كانت خطوط الهواتف كلها مفتوحة، والأيدي الناعمه تمسك بلوحات الأرقام بإحكام، والعيون المترفة تترقب. خرج أحد العاملين بالدار يحمل مخدة أرجوانيه عليها أنبوب صغير بداخله محلول شفاف يملأ ربع الأنبوب. صدح صوت صاحب الدار بفخر معلنا عن الغرض المترقب: يوجد هنا دموع طفل مسكين، دموع نادرة طبيعيه لم تشاهد منذ ١٥٠ عاما. سوف نبدأ المزاد بمبلغ ١٠٠ ألف ورقة.

تبدأ لوحات الأرقام بالارتفاع من القاعة وقسم الهواتف. ٥٠٠ ألف، مليون، ٣ ملايين، ٦ ملايين، ١٠ ملايين، ٢٠ مليون، ٥٠ مليون، الأرقام تستمر بالإرتفاع. كان هذا الغرض الثمين غرضا ثمينا جلبه أحد المغامرين الأثرياء في المدن المدمرة للدار. قال هذا الشخص المجهول الهوية أنه وجد الطفل في زقاق مهجور يبكي بجانب أمه العمياء المشوهه الميته بجانبه بسبب عدم قدرتها على شراء المحلول الزيتي الدمعي، و الدواء الذي يوقف نمو الأورام تلقائيا في الجسد – وهو تعديل آخر قام به العلماء لبيع لقاحات منع نمو الأورام – اقترب هذ المغامر وملأ انبوبا يحمله معه ببضع قطرات من الدمع، أغلقها ومضى سعيدا بعثوره على هذه الغنيمة النادرة. ١٠٠ مليون، ١٥٠ مليون. المزايدات ترتفع بشكل هستيري فقد لا يروا مثل هذه الدموع بعد أن توعدت الشركة المصنعه لمحلول الدمع بتكثيف عملها حتى لا يولد من يستطيع ذرف الدموع بشكل طبيعي. بدأ البعض بالتوقف عن رفع لوحاته بحسره بعد أن وصلوا لأقصى مبلغ يمكنهم دفعه. استمر ثلاثة برفع لوحاتهم، اثنان من القارة الآسيويه، وأحدهم في القاعة. وصل المبلغ ل٢٠٠ مليون ورقة، ورفع الجالس في القاعه لوحته وحيدا، يبدو أن لا أحد يستطيع مجاراة هذا المبلغ الهائل. نزلت المطرقة لتعلن عن بيع الانبوب للشخص الجالس في الصفوف الخلفية. بعد الانتهاء من المزاد خرج الجميع إلى القاعة لشرب أنخاب غنائمهم وتهنئة من اشترى هذا الغرض النادر.

كان الشاري رئيس شركة المنتجة لمحلول الدمع.

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Human Rights and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s