هل داعش لا يمثلنا فعلا؟


انتشرت مؤخرا حملات مختلفة للتبرؤ من داعش داخل وخارج البلدان العربية والإسلامية تحت شعار: داعش لا يمثلنا. لكن أصحاب الحملات هذه يتجاهلون حقيقة أن داعش يمثل المجتمع. فالتنظيم يستند في تفاسيره على التفاعلات اليوميه والمفاهيم التي يستندون عليها. داعش نتيجة حتمية للانحطاط التي تمر به المجتمعات العربية وتضارب القيم لديها، هذا عدا اختلال الوعي. فما هو الفرق في نظرة داعش للمرأة عن نظرة المجتمع الذي يسوغ التحرش بسبب ما ترتديه؟ وما هو الفرق بين داعش في مسألة الآخر الأدنى ونظرة الكثير ممن ينتمون لهذه المجتمعات بأفضليتهم على العجم والأمم؟ إن هذا المقال ليس تحليل، لكنه تساؤلات إنسانة تعيش في هذه البيئة وتشهد على ممارسات أفرادها وجماعاتها.

عقلية الاتجاه الواحد

نادرا ماتقرأ أو تسمع قبول أحدهم لآراء الآخرين، أو حتى استعداد للإنصات للحجج المختلفة ومحاولة معالجتها أو التفكر بشأنها. فكل ما هو مختلف وخارج عن السياق الرسمي مرفوض، إن كان فكرة أو مشروع أو حجة أو جماعة أو موقف. وتظهر هذه المواقف المتحجرة واضحة من خلال شبكات الاعلام والتواصل الاجتماعي، التي عوضا من أن تخلق حوارات بناءة وطروحات مختلفة وتعميم سياسة الأخذ والرد، انعكست بنية المجتمع  عليها. إن التحجر في الموقف ليس فكرا داعشيا فقط، بل نراه يحدث كل يوم. هناك من يرفع صوته خلال المناقشة، ومعظم من يتحاور يأخذون الموضوع بشكل شخصي وكأن الفكرة الخاطئة تسيء إلى كرامتهم نفسها، وهذا غير صحيح، بل إن تصحيح الفكرة الخاطئة هو مايرفع من شأن ووعي من يتقبل المعلومات الصحيحة وينبذ أفكاره وتصوراته المغلوطة.

وهناك ظاهرة تحاشي الجواب ومواجهة السؤال بسؤال آخر أو اتهام لا يمت بصلة للموضوع قيد النقاش من أجل تتفيه موضوع النقاش. وهي إحدى الحركات التي علمتنا إياها الديكتاتوريات لادارة دفة الحديث بعيدا عن الموضوع المهم وتحويله لموضوع لاعلاقة له بالفكره الجوهرية، على سبيل المثال تعمد مس الشؤون الخاصة للسائل أو المحاور، مثلا مواجهة اقرار قانون يشرع التظاهر بالحديث عن سفور ابنة طارح القانون.

السلطات الأبوية المختلفة في المجتمع هي التي تُنشئ مثل هذا الفكر المصمت المتحجر. وهو لا يختلف حقيقة عن الفكر الداعشي الذي ينبذ كل نقاش لا يخدمه، مهما كان ذا صلة بشؤون الحياة اليومية.

التبعيه القبلية

يوجد الاستغلال في كل مكان في العالم ويتعاظم مع ازدياد ديكتاتورية العولمة كل يوم، ولكن هناك فرق بين شعب متراحم يدافع بعض أفراده عن بعضهم الآخر، وشعب يحاول بعضه قتل الآخرين غالبا من أجل شخص مثلهم لكنه يقودهم ويغدق عليهم من فتاته. القائد يأمر، والنائب يأمر، والسكرتير يأمر، والمشرف يأمر، والجد يأمر، والأب يأمر، والأمر ينتقل بالوراثة مع الفكر المتكلس.

ماهو سر الدفاع المستميت عن شخص ما يشك في تصرفاته، فما بالك بمن قتل وسجن وهجر الآلاف، وبمن فرض قوانين لاتخدم الا مصالحه. إنه ولاء القبيلة حتى لو ادعى شخص أننا أبناء مدن وأننا في الألفية الثالثة، هذا الفكر الذي غالبا ما يغطى عليه بكلمات مثل التكامل والترابط الاجتماعي والذي هو في الحقيقة يكاد ينعدم في مجتمعاتنا المفككة. بالنظر لداعش كمجتمع مصغر، الولاء للخليفة هي سمه عامة، مهما قتل ونكل واغتصب وسجن، فإن من يناصره يبرر له تصرفاته بما فيه من مصلحة الأمة: القبيلة. العنصرية القبلية الداعشية تهاجم كل مختلف عنها لونا ودينا وطريقة حياة.

عن المرأة

تدور الآن حملات غاضبة بسبب فيديو نشره داعش حول رجم إمرأة سورية متهمة “بالزنا”، في الحقيقة داعش لم يخرج كثيرا عن عاداتنا وتقاليدنا في استرداد “الشرف” بالدم. كانت جرائم الشرف في سوريا موضوع شائك، فبحسب إحدى الإحصائيات كل عام تقتل ٢٠٠ امرأة بدم بارد وغالبا ماكان الجاني يخرج فخورا بفعلته وحرا دون محاسبة قانونية أو حتى اجتماعية. معظم هذه الجرائم كانت ترتكب بطرق وحشية مثل الذبح.

كيف نفرق بين مجتمع يلقي بالائمة على ملابس امرأة قد تكون عادية ومريحة بسبب تحرش الزعران بها، وتنظيم داعش الذي يسبي النساء، التحرش بالمرأة هو نوع من أنواع السبي وليس هناك اختلاف على وضع المرأة كملكية للعائلة والمجتمع، ولكن يبدو لي أنه صراع على هذه الملكية لأن داعش لايتبع “المعايير الاجتماعية المتداولة” لنقل الملكية من سلطة ذكورية لسلطة ذكورية مختلفة، لكنه يأخذها عنوة. لاتزال مسائل حقوق المرأة والطفل شائكة في مجتمعاتنا، عند الحديث على سبيل المثال عن الختان في بعض المناطق تجد عدم اكتراث لأن النساء اللاتي يتم فعل ذلك بهن هن ملكية ذلك المجتمع وليس لنا شأن في الحديث عنه. أو عندما يقرر أب أن يمنع ابنته (أو ابنه) عن الدراسة، اجبار ابنته القاصر على الزواج، اصرار المجتمع على أن تخلف لهم المرأة ذرية شاءت أم أبت، تحديد أدوارها والاستخفاف بمنطقها وتفكيرها من أجل توجيهها إلى مسائل ثانوية لاعلاقة لها بتنمية أو تغيير. هذا كله جزء من آليات التحكم بالنساء وتحييدهم عن الحياة السياسية، الاجتماعية، وحتى حياتهن الخاصة. كيف يختلف ذلك عن الطريقة التي يعامل فيها داعش النساء؟

ذهنية العمالة

لايبدو أننا نعي فكرة العمل بحد ذاتها، من تجاربي خلال سنوات العمل الطويلة، من يُشغل أحدا يعتقد أنه يملكه. حقوق العامل والقوانين الضابطة لهذه العلاقة ينظر لها أنها تجربة غريبة مستجلبه من الخارج وهذه الحقوق ليست حقيقية. ليس الخدم من العمالة الآسيوية أو الافريقية وحدهم من يعاني من المعاملة السيئة، لكن أيضا الموظفين والمتدربين وحتى أصحاب الخبرات يعانون من استغلال مقنع.

ولكني سألقي اليوم بفكرة تنبهت إليها مؤخرا وتعنى بالموظفين من المنطقة العربية، وهي أنهم غالبا ما يقبلون بالأمر الواقع مكتفين بالنميمه، وشهدت كثيرا منهم يطالبون بتحسين أحوالهم لا لأنهم ممتعضون من انعدام المساواة، بل لأن الفرصة لم تسنح ليستغلوا غيرهم، وهو أمر مخيف حقيقة يجعلني اتسائل عن أولئك الذين يذمون داعش عن بعد، ولكن هل هذا الذم نابع من ايمان فعلي بسوءات داعش أم لأن الفرصة لم تسنح بعد ليكون/تكون أحد أفراد التنظيم؟ وهل يختلف استغلال العمال كل يوم عن استغلال داعش للبسطاء المنضمين للتنظيم من أجل خوض حروبها؟

العلاقة مع الطبيعة والعالم

جلنا يعتقد أن العالم وجد لخدمته وإمرته، وهذا ليس صحيحا، العالم لم يخلق لأجلنا. وعندما أقول العالم أقصد بالأرض فقط لأننا أكثر ضآلة من أن نكون مستخلفين على المجرات. بحسب الجمعية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، هناك ١٠٠ مليار نجم (شمس) في الكون. واستطاع مرصد كبلر عام ٢٠٠٩ رصد ٢٣٢٦ كوكب صالح للحياة خلال ١٦ شهرا من البحث، وهذه بالطبع الكواكب القليلة التي التي أمكن رصدها. إن كان هناك حياة على الكواكب الثانية، هل سنعتبر أنفسنا أسيادهم؟ أو بالأحرى مستخلفين عليهم؟

لنبق على الأرض ولننظر كيف نعامل بيئتنا والمخلوقات التي تحيط بنا، نحن معدوموا الرحمة، نبتلع كل شيء بلا هوادة، وإن طالب أحدهم بالرفق بالحيوان أو ترشيد الموارد يجابه بالضحك والاستهزاء والمطالبه بالنظر لحال البشر أولا. لكن العالم الطبيعي هو إمتداد لنا ونحن جزء منه والحفاظ عليه هو جزء من الحفاظ علينا. داعش مثلا لايأبه بالمقدرات الطبيعية والموارد فهي موجودة من أجله فقط ولخدمته، وهذا التفكير ينسجم مع التفكير الاجتماعي العام.

أخيرا، نظرة على وسائل التواصل الاجتماعي نجد عدد لا يستهان به من الناس يكيلون المديح والتشجيع لداعش. وفي هذا الصدد ألقي باللوم الأكبر على وسائل الاعلام التي تقوم بالترويج لداعش بتهويل منقطع النظير من أجل إخافتنا. ماذا نفعل والحال هذه؟ هناك أسس انسانية علينا التمسك بها. القبول، الاحترام، الرحمة. التغيير يتطلب شجاعة، وليس من الشجاعة في شيء الاستسلام لتقهقر نحو عصور سحيقة، قبل أن يدرك الانسان نفسه وعالمه بشكل أفضل. ليس من الشجاعة أن يستسلم شخص ما لانهيار القيم متذرعا بالوجع. لكن الوجع والغضب يدفع بالشجاعة للتشبث بالطور الانساني، الشجاعة هي أن تحافظ على رباطة جأشك بقيم انسانية ضد الزيف والحقد الذي يحاصرنا من كل جانب، و داعش هو الحمق والجبن.

About Hummingbird

Feels strange when I talk about myself. It is just me.
This entry was posted in Human Rights, عربي and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s